سلسلة العقاردي — الموسم الأوَّل:
قسطنطين
سلسلة العقاردي — الموسم الأوَّل
أُجبِرا على زواجٍ لم يرِدْه أيٌّ منهما. أميرةٌ يونانية من أسرة مافيا مقداميّة، وزعيمٌ صقلِّي لا يرحم. في عالمٍ تحكمه السلطة والخيانة، اكتشفا أنَّ أشدَّ معاركهما ضراوةً ليست مع أعدائهما... بل مع قلبيهما.
العقد الملعون حين يكون الزواج حكماً بالإعدام
لم أكن أعلم، وأنا أرتدي فستاني الأحمر تلك الليلة، أنَّ ثمَّة من يُحرِّك خيوطَ حياتي من وراء الستار. كنتُ أظنُّني أختار لونَ فستاني بحرِّيتي، لكنَّ الحقيقة أنَّ كلَّ شيءٍ في تلك الليلة كان مُرتَّباً من قبل أن تشرق شمسها.
اسمي إيلينا موروس. ابنة الزعيم اليوناني أندرياس موروس، أقوى رجلٍ في شبكة المافيا اليونانية المتوسِّطية. تربَّيتُ على قواعد العائلة كما يتربَّى الجنديُّ على أوامر قائده: لا سؤال، لا رفض، لا ضعف.
لكنِّي لم أتوقَّع هذا.
حين استدعاني أبي إلى مكتبه الأسود ذاك المساء، كان وجهه مُتحجِّراً بتلك الطريقة التي تعني أنَّ الأمر قُضي قبل أن يتكلَّم. جلستُ أمامه والهواء في الغرفة ثقيلٌ كالرصاص.
— "ستتزوَّجين من قسطنطين العقاردي."
لم أسمع بعدها شيئاً. اسمُه وحده كان كافياً ليُجمِّد الدم في العروق. قسطنطين العقاردي — الزعيم الصقلِّي الذي يُقال إنَّه وُلِد بلا قلب. الرجل الذي تهابه العائلات الكبرى ولا تتجرَّأ على نطق اسمه بصوتٍ عالٍ بعد منتصف الليل.
"تزوَّجي منه يا إيلينا، أو سنفقد كلَّ شيء."
تلك الجملة التي قالها أبي، بعيون تُحاول أن تبدو قوِيَّة وهي تنكسر — كانت أشدَّ ما سمعته في حياتي.
خرجتُ من المكتب وأنا أتنفَّس بصعوبة. في الممرِّ الطويل المبلَّط بالرخام الأسود، رأيتُه للمرَّة الأولى.
كان واقفاً عند نهاية الممرِّ، يرتدي بدلةً داكنة ويُدير ظهره لي، يُحدِّق من النافذة إلى الليل. طويلٌ بشكلٍ يأخذ النَّفَس، كتفاه عريضتان، وشيءٌ في طريقة وقوفه يُخبرك أنَّه لا يُدير ظهره لأحد — إلَّا إن اختار هو ذلك.
ثمَّ التفَت.
عيناه رماديَّتان كالفولاذ في الشتاء، وفيهما نظرةٌ تُقيِّمك وتنتهي منك في ثوانٍ. نظر إليَّ نظرةً واحدة، كأنَّه يرى شيئاً يجب أن يُعامَل بحذر، ثمَّ أعاد نظره إلى النافذة.
— "أنتِ إيلينا." لم يكن سؤالاً.
— "وأنت قسطنطين." ردَّيتُ بنبرة أرجو أن تكون بدتْ أكثر ثباتاً ممَّا شعرتُ.
أدار وجهه نحوي مرَّةً أخرى وشيءٌ خفيف جداً مرَّ في زاوية فمه — لم يكن ابتسامةً بالمعنى الحقيقي، بل كان تقديراً بارداً:
— "الزواج بعد ثلاثة أيام. لا حاجة للتفاصيل الآن."
ومشى. وتركني أقف في الممرِّ وأُدرك أنَّ حياتي للتوِّ انتهت. وبدأت من جديد في الوقت ذاته.
خلف الأسوار قصره سجنٌ جميل — وهو السجَّان الأجمل
قصر العقاردي لم يكن ما تخيَّلتُه. توقَّعتُ مكاناً معتماً صارماً، لكنَّ الواقع كان مزيجاً مربِكاً من الفخامة الباردة والجمال القاسي. أعمدةٌ رخاميَّة، وأثاثٌ أسود ثقيل، ومكتباتٌ تمتدُّ من الأرض إلى السقف في كلِّ غرفة. الكتب — لم أتوقَّع الكتب.
أرشدتني المربِّية إلى غرفتي في الجناح الشرقي. قالت إنَّها "غرفتي". قلتُ في نفسي: سجني.
في اليوم الثاني، وأنا أتجوَّل في المكتبة الكبرى بعد ظهر غيابه، وجدتُ كتاباً على الطاولة مفتوحاً على صفحةٍ معيَّنة. التقطتُه فضولاً — كان ديوان شعرٍ يوناني قديم. وفي الهامش بخطٍّ أنيق إيطالي، كانت هناك ملاحظاتٌ بقلمٍ رصاصي. تعليقاتٌ عميقةٌ عن الألم والوحدة.
وضعتُ الكتاب في مكانه بسرعة حين سمعتُ خطواته في الممرِّ.
دخل ورآني أمام الرفِّ. توقَّف.
— "هل تقرئين؟"
— "لا، كنتُ أُعدِّد الكتب لأُعرِّف كم أنا سجينة." ردَّيتُ بلا تفكير.
لحظةٌ طويلة. ثمَّ:
— "خمسة آلاف وثلاثمائة وأحد عشر كتاباً." قالها بجدِّيَّة تامَّة. "لو أردتِ الإحصاء."
نظرتُ إليه وهو ينظر إلى الرفوف بوجهٍ لا تقرؤه. وشيءٌ صغيرٌ في داخلي تزعزع.
"الرجل الذي يعرف عدد كتبه لا يكون بلا قلبٍ تماماً."
في تلك الليلة، جلستُ على حافَّة نافذتي وأنا أُفكِّر في تلك اللحظة بالمكتبة. كان بإمكانه أن يتجاهلني، وكان بإمكانه أن يكون قاسياً. لكنَّه أجاب. بجدِّيَّة حقيقية غريبة.
بدأتُ أُدرك أنَّ قسطنطين العقاردي ليس ما تُحكى عنه القصص. أو ربَّما هو بالضبط ما تُحكى عنه — لكنَّ القصص لم تذكر كلَّ شيء.
وليلة عقدنا الأولى التي خشيتُها طوال أيام — اكتفى بأن يغلق باب الغرفة بيننا ويقول بنبرةٍ منهكة:
— "لستُ وحشاً يا إيلينا. ولن أجبرك على شيء. اعتبري هذا المكان بيتَكِ."
ومشى إلى غرفته. وأنا بقيتُ خلف الباب المغلق أُدرك أنَّ هذا الرجل أخطر بكثيرٍ ممَّا تخيَّلتُ — ليس لأنَّه قاسٍ، بل لأنَّه ليس كذلك.
عندما يكون العدوُّ واحداً الحرب تصنع من الغرباء حلفاء
جاء التهديد في الصباح الباكر، بلا مقدِّمات. محاولة اغتيالٍ فاشلة استهدفت سيَّارة أبي في أثينا. ثلاث رصاصات، لا إصابات، ورسالةٌ خُطَّ فيها اسمٌ واحد: "العقاردي".
لكنَّ قسطنطين كان في المنزل تلك الليلة، وأنا شاهدتُه. لم يكن في أثينا.
جاء إليَّ بنفسه حين علم بالأمر. وجهه لم يتغيَّر — ذلك الثبات المرعب الذي يُربِكني — لكنَّ شيئاً في عينيه كان مختلفاً.
— "شخصٌ ما يُحاول تفجير ما بيننا." قالها بهدوء. "من مصلحته أن تتحارب العائلتان."
— "وكيف أعرف أنَّك لستَ أنتَ ذلك الشخص؟" سألتُه وأنا أُحدِّق فيه.
لم يُجِبْ بدفاع. نظر إليَّ فقط نظرةً مستقيمة وقال:
— "لا تعرفين. هذا القرار لكِ."
"حين يمنحك الرجل الخيار بدل أن يُقنعك — هذا أكثر ما يُقنعك."
قرَّرتُ أن أُصدِّقه. لا أعرف لماذا. غريزةٌ ما، أو ربَّما تلك الملاحظات بالقلم الرصاصي في هامش الكتاب اليوناني.
عملنا معاً. لأوَّل مرَّة جلسنا على الطاولة ذاتها نُفكِّر، لا نتحارب. أحضر خرائطَه وأحضرتُ معلوماتي عن الشبكات في أثينا. كان يستمع إليَّ باهتمامٍ حقيقي، ويدوِّن ما أقوله. لم يُعامِلني كزينةٍ أو ورقةٍ تفاوضية — عاملني كشريكة.
وفي منتصف الليل، حين وجدنا الإجابة وأدركنا من يقف خلف المؤامرة، التفَتَ إليَّ وفي عينيه لأوَّل مرَّة شيءٌ يشبه الدفء:
— "أنتِ ذكيَّة."
— "أعرف." قلتُ بهدوء.
وضحك. ضحكةً خافتةً حقيقية. ولم أكن أعلم أنَّ ضحكةً واحدة يُمكنها أن تُدمِّر جداراً بنيتُه لأسابيع.
أعمق من السيطرة حين تسقط الأقنعة — تبدأ الحقيقة
في الليلة التي هاجموا فيها القصر، كنتُ نائمةً حين استيقظتُ على صوت إطلاق النار. ثوانٍ، وكان قسطنطين يُوَاجِه رجالَه في الممرِّ بخارج غرفتي، يُصدر أوامره بصوتٍ هادئٍ كالثلج. لم يكن خائفاً. كان في عنصره تماماً.
حين انتهى كلُّ شيء ودخل يتأكَّد منِّي، رأى يدي ترتجف. لم يقل شيئاً. جلس بجانبي على حافَّة السرير وأمسك يدي بيديه الكبيرتين الباردتين. ببساطة. بلا كلام.
"اليد التي تُمسك يدكِ حين ترتجف — تقول أكثر ممَّا تقوله أيُّ كلمات."
بقينا هكذا وقتاً طويلاً. ثمَّ سألتُه بصوتٍ أجشِّ:
— "هل تخاف يوماً ما؟"
توقف. ثمَّ أجاب ببطء:
— "أخاف من شيءٍ واحد."
— "ماذا؟"
نظر إليَّ. وكان في نظرته ذلك الشيء الذي رأيتُه في هوامش الكتاب — ذلك الألم الذي يخبؤه في الخطوط الصغيرة:
— "أن يُحبَّني أحدٌ ثمَّ يتألَّم بسببي."
لم أُجِبْ. لأنَّ الإجابة كانت ستُخبره بأشياء لم أكن مستعدَّةً أن أُقِرَّ بها لنفسي بعد.
لكنَّ رأسي مال نحوه ببطء، وبقي متَّكئاً على كتفه الواسع كأنَّ هذا كان دائماً مكانه. وهو لم يتحرَّك. أغلق عينيه ورفع يده الأخرى ببطءٍ شديد — ترقَّبتُ — ثمَّ وضعها على رأسي بلطفٍ أشدَّ ممَّا توقَّعتُ من رجلٍ بيديه.
ولم نتكلَّم حتى الفجر.
الاختيار السلطة تأتي وتذهب — لكنَّ بعض الأشياء لا تُعاد
جاء العرض من الرجل الذي دبَّر كلَّ شيء: فاليريو دي روسّي، شريكٌ قديمٌ لأبي خانه ويريد الانتقام. عرضُه كان بسيطاً مُرعباً — اتفاقيَّة تُنهي الحرب وتُوقِّف التهديدات، مقابل شرطٍ واحد: أن يُعلن قسطنطين وإيلينا إنهاء زواجهما والانفصال. إظهار أنَّ التحالف فشل.
جلس قسطنطين أمام أبي وأمام رجاله وأمامي، وقرأ الوثيقة ببطء. وجهه لا يقرؤه أحد. ثمَّ رفع عينيه إليَّ — لحظةً واحدةً فقط — قبل أن ينظر إلى فاليريو.
— "أُوقِّع." قالها بهدوء.
تجمَّد قلبي.
— "بشرطٍ واحد." أضاف بنفس النبرة. "إيلينا تختار بنفسها."
أدار وجهه نحوي أمام الجميع. والغرفة كلُّها تنتظر. والرجل الذي يُخيف العائلات الكبرى ينظر إليَّ بعينين يقولان ما لم يقله لسانُه قطُّ:
— "القرار لكِ يا إيلينا. دائماً."
"في تلك اللحظة أدركتُ أنَّه يُحبُّني. لأنَّ الرجل الذي يُحبُّك يمنحكِ الحريَّة حتى حين تُؤلمه."
نهضتُ ببطء. مشيتُ خطوتين نحو الطاولة. أمسكتُ القلم. ثمَّ وضعتُه.
— "لن أُوقِّع." قلتُ.
نظر إليَّ قسطنطين وشيءٌ في وجهه تشقَّق لأوَّل مرَّة. شقٌّ صغيرٌ في ذلك الجدار الفولاذي — وفي داخله رأيتُ الرجل الذي كتب بقلمٍ رصاصي على هوامش الكتب.
— "إيلينا، لا يجب—"
— "أنا لستُ ورقةَ تفاوض يا قسطنطين." قاطعتُه. "ولستُ جزءاً من اتِّفاقيَّة. وإن كنتَ تريد إنهاء هذا — قُلْه أنت."
صمت طويل.
ثمَّ نهض. مشى نحوي. وأمام الجميع — أمام أبي وأمام رجاله وأمام فاليريو الذي خطَّط لكلِّ شيء — وقف أمامي ووضع يده على وجهي بلطفٍ غريبٍ على رجلٍ مثله.
— "لا أُريد إنهاء شيء." قالها بصوتٍ خافتٍ لم يسمعه سواي. "لكنِّي لم أكن أعرف إن كنتِ تريدين ذلك أنتِ."
— "الآن تعرف." قلتُ.
والتفَتَ إلى فاليريو بوجهٍ عاد إليه ذلك الثبات الفولاذي:
— "لن يكون ثمَّة توقيع. ولن يكون ثمَّة انسحاب. وإن أردتَ الحرب — فستكون آخر شيءٍ تُريده."
انتهت المؤامرة. انتهت الليلة. وحين خرجنا من تلك الغرفة معاً — كتفي تلامس كتفه — أدركتُ أنَّ أسوأ ليالي حياتي كانت بداية أجمل ما فيها.
✦ · · · ✦
لم نكن زواجاً قسرياً بعد تلك الليلة. كنَّا خياراً. وهذا الفرق يُغيِّر كلَّ شيء.
— النهاية — ويتبع في الموسم الثاني —

تعليقات
إرسال تعليق